ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

218

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

ولئن كان معناه دقيقا يدلّ على فرط الذكاء فإني لا أعده من اللغة العربية ، فضلا عن أن يوصف بصفات الكلام المحمودة ، ولا فرق بينه وبين لغة الفرس والروم وغيرهما من اللغات في عدم الفهم . وأما ما ورد من الألغاز نثرا فقد ألغز الحريري في مقاماته ألغازا ضمنها ذكر الإبرة والمرود « 1 » وذكر الدينار ، وهي أشهر كما يقال من قفا نبك ؛ فلا حاجة إلى إيرادها في كتابي هذا . وقد ورد من الألغاز شيء في كلام العرب المنثور غير أنه قليل بالنسبة إلى ما ورد في أشعارها ، وقد تأملت القرآن الكريم فلم أجد فيه شيئا منها ، ولا ينبغي أن يتضمن منها شيئا ؛ لأنه لا يستنبط بالحدس والحزر كما تستنبط الألغاز . وأما ما ورد للعرب فيروى عن امرئ القيس وزوجته عدة من الألغاز ، وذاك أنه سألها قبل أن يتزوجها ؛ فقال : ما اثنان وأربعة وثمانية ؟ فقالت : أما الاثنان فثديا المرأة ، وأما الأربعة فأخلاف النّاقة ، وأما الثمانية فأطباء الكلبة ؛ ثم إنه تزوجها وأرسل إليها هدية على يد عبد له ، وهي حلّة من عصب اليمن ونحي من عسل ونحي من سمن ، فنزل العبد ببعض المياه ، ولبس الحلة فعلق طرفها بسمرة فانشقّ ، وفتح النّحيين وأطعم أهل الماء ، ثم قدم على المرأة وأهلها خلوف ، فسأل عن أبيها وأمها وأخيها ، ودفع إليها الهدية ، فقالت له : أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرّب بعيدا ويبعد قريبا ، وأن أمّي ذهبت تشقّ النفس نفسين ، وأن أخي يرقب الشمس ، وأخبره أن سماءكم انشقّت ، وأن وعاءيكم نضبا ؛ فعاد العبد إلى امرئ القيس وأخبره بما قالته له ، فقال : أما أبوها فإنه ذهب يحالف قوما على قومه ، وأما أمّها فإنها ذهبت تقبل امرأة ، وأما أخوها فإنه في سرح يرعاه إلى أن تغرب الشمس ، وأما قولها : « إن

--> ( 1 ) للحريري كثير من الألغاز في عدة مقامات ؛ فانظر المقامة الثانية والثلاثين وهي تتضمن أن أبا زيد قام بمائة مسألة فقهية ملغزة ، وانظر المقامة السادسة والثلاثين ، وانظر المقامة الثانية والأربعين ، وانظر المقامة الرابعة والأربعين ؛ وممن ألغز في الإبرة أبو العلاء ، فقال : سعت ذات سمّ في قميصي فغادرت * به أثرا واللّه يشفي من السّمّ كست قيصرا ثوب الجمال وتبّعا * وكسرى ، وعادت وهي عارية الجسم